Image qui suit la souris

الشعوب على دين إِعلامها، من مُدن الثورات إلى مُدُن النّعَرات

الشعوب على دين إِعلامها، من مُدن الثورات إلى مُدُن النّعَرات

كنّا نسمع من سنوات كلاما كثيرا عن مركزية الإعلام في المجتمعات الحديثة إلى درجة أنّ ظاهرة الإعلام أصبحت سلطة ذات أهميّة مركزيّة لا تقلّ عن أهميّة سُلط أخرى مثل التشريعية والقضائية والتنفيذيّة، ولا شكّ أنّ هذه المركزيّة كانت نتيجة ما لاحظ الدارسون من أهميّة هذه التقنيّة التواصلية في استمالة الجمهور وصناعة رأي عام مُوجّه ومنخرط لا عن اقتناع تامّ بل نتيجة ما يُسميّه علماء الاتّصال سابقا البروباغدا وما يُطلق عليه حاليّا الدعاية. ولنا في أسطورة  ” جوزيف قوبلز” وزير الدّعاية النازي أفضل حجّة وهو القائل” لو بقيت عندي مائة مارك لأنفقت 99  منها على الإعلام والباقي على الجيش”.

كذلك أشاد المنظّر توماس هوبز الذي عايش الثورة الانجليزية في القرن السابع عشر  بما أسماه “حرب الكلّ ضدّ الكلّ”، وهي مقولة تجد اليوم أفضل تطبيقاتها على واقع حال الثورات العربية، إذ يكفي التقييم البسيط لتناحر الإخوة الأعداء بليبيا و تقاتل الإخوة الأعداء بسوريا و تدافع الإخوة الأعداء بمصر وتفجير الإخوة الأعداء لبعضهم البعض بكل من العراق واليمن، ويكفي الّنظر إلى المساعي غير الحميدة لجرّ الجزائر من جديد إلى التقاتل الاجتماعي، ولنا في تونس يوميا تحذيرات من اغتيالات سياسية وأمنيّة، قلت يكفي هذا المسح السريع لخارطة ” الثورات بالوطن العربي” حتى نقتنع أنّنا تحوّلنا من منطق الثورة إلى منطق النعرة، فباليمن نعرة شيعية سنية وبمصر نعرة إخوانية علمانية وبليبيا نعرة زنتان وبنغازي وبالجزائر نعرة سنة و إباضية وبالمغرب نعرة بربر وعرب. وأنتجت هذه النعرات تحالفات كانت في الخمسينات من القرن الفارط على شاكلة دول عدم الانحياز التي جمعت تيتو مع عبد الناصر مع نهرو.

واليوم تجمع هذه النعرات داعش مع فجر الإسلام مع قاعدة بلاد المغرب العربي مع شباب الصومال مع مختار بلعور مع بوكو حرام مع التبشير بعودة الاستعباد مع اليزيديين وتفجيرات العريش مع أنصار المقدس، حرب النعرات، فالكلّ بالبلد الواحد ضدّ الكلّ ببلده وبغيرها، فتتداخل الحدود ولا ينضبط أصحاب النعرات إلى مقتضيات العصر المدني ومفهوم الوطن وحدوده، فينتصب جزائري أميرا على جماعة بتونس، ويسافر جهادي تونسيّ  وينتصب آمرا بدرنة الليبية، وينتقل ليبي وينتصب مفتي الديار السورية، ويهاجر شيشانيّ ويدرّب حاملي نعراته لتفجير مرقد الإمام عليّ نكالة في الشيعة، وتتحوّل رابطة الأمّة والوطن رابطة هشّة أمام رابطة أبادت أمما قبلنا، هي رابطة النعرات ويضيف إليها الإعلام ناره فنضيف اليوم إلى مقولة توماس هوبز السالفة الذّكر ضبطا آخر: حرب الكلّ ضدّ الكلّ لإبادة الكلّ.

الكلّ ضدّ الكل مقولة تقف ضدّ مقولة أخرى ورثناها عن ابن خلدون وهي ” الإنسان مدنيّ بطبعه”. وقد سمحت هذه المقوله للعرب الحالمين بالتفاخر أنّ ابن خلدون قد سبق جان جاك روسو وعقده الاجتماعي، لكنّنا اليوم بعد ابن خلدون بعقود وروسو بأكثر من عقد ألا يجوز لنا أن نتساءل السؤال التالي: هل ما نعيش عليه يوميا، بل كلّ لحظة، من تقاتل عربي عربي، تارة باسم الثورة وتارة باسم الدين وتارة باسم الملّة وتارة باسم النحلة  وتارة باسم الجهة وتارة باسم المقّدس وتارة باسم المدنّس وتارة باسم العرف وتارة باسم القيم وتارة باسم الشرف وتارة باسم التاريخ وتارة باسم الجغرافيا وتارة باسم الثأر وتارة باسم التحصين وتارة باسم الأزلام وتارة باسم الفلول وتارة باسم لا اسم اسم له، قلت : ألا يجوز لنا أن تساءل لعلّ الدمّ وشهوة الدمّ والتعطّش للدمّ والرّغبة في الدمّ والسعي إلى الدّم وعشق الدمّ رغبة متأصلة في جيناتنا نحن العرب، لماذا تثور شعوب وتلتفت إلى اقتصادها وتثور شعوب وتلتفت إلى ثقافتها وتثور شعوب وتعزّز حق الاختلاف فيها وتثور شعوب وتجتهد في تأمين حياة ناسها وتنتفض العرب وتهجم على الدمّ وتسعى إلى الدمّ؟.

هل لنا الحقّ في أن نتساءل اليوم، لماذا أنتجت النعرات العربية أسماء فرق وملل ونحل حفظها العرب من مقاتلين وجهاديين ومتطرفين  وتكفيريين ودعويين تحت مسميات جديدة؟ فرق كان عددها أكثر من عدد الجامعات العربية الني افتتحتها وزارات التعليم العالي بدول ” الثورات العربية”؟ لماذا كلّما دمّرنا جامعة عربيّة أطلق الإعلام تسمية جديدة لنعرة جديدة؟ هل نعيش نحن العرب اليوم عصر المصالحة بين العرب وجيناتهم العاشقة للدم والقتل والسحل والإعدام؟ لماذا لم يعرف غيرنا في عصرنا هذه الدموية التي تتجاوز القدرة الخارقة للصناعة الإعلامية إلى صناعة الوحوش الآدمية ويستوي في هذه الثقافة النسقيّة الكامنة في لا وعي العقل الجمعي العربي الاسلامي كلّ العرب، ويتبارى في ذلك التونسي مع الليبي مع اليمني مع السوري مع العراقي مع الخليجي مع المغربي المنضوين تحت لواء النعرات العربية المستحدثة؟

ألن يأتي يوم نرى فيه العرب على دين أَعْلامها من مثقفين ومبدعين وجامعيين ومبتكرين حتى تقطع مع صناعة القتلة التي أبدعتها القنوات الدعوية المتخصصة في غسل الأدمغة والإذاعات المنتجة لفتاوى الفتاوى وجرائد البغض ومواقع التكفير؟. رحم الله ” جوزيف قوبلز” عندما قال” كلّما سمعت كلمة ثقافة تحسّست مسدّسي” ، هاهم أحفاده، اليوم، على خطاه، وهاهم ” يكذبون حتى يُصدّقهم الناس” كما قال.

كنّا نسمع من سنوات كلاما كثيرا عن مركزية الإعلام في المجتمعات الحديثة إلى درجة أنّ ظاهرة الإعلام أصبحت سلطة ذات أهميّة مركزيّة لا تقلّ عن أهميّة سُلط أخرى مثل التشريعية والقضائية والتنفيذيّة، ولا شكّ أنّ هذه المركزيّة كانت نتيجة ما لاحظ الدارسون من أهميّة هذه التقنيّة التواصلية في استمالة الجمهور وصناعة رأي عام مُوجّه ومنخرط لا عن اقتناع تامّ بل نتيجة ما يُسميّه علماء الاتّصال سابقا البروباغدا وما يُطلق عليه حاليّا الدعاية. ولنا في أسطورة  " جوزيف قوبلز" وزير الدّعاية النازي أفضل حجّة وهو القائل" لو بقيت عندي مائة مارك لأنفقت 99  منها على الإعلام والباقي على الجيش". كذلك أشاد…

عناصر المراجعه :

الرسومات
السرعة
التصميم

جيد

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتين !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*