Image qui suit la souris

أم كلثوم على ركح قرطاج من جديد

أم كلثوم على ركح قرطاج من جديد

كنت كثيرا ما أتساءل، كما يتساءل الكثير من الأولياء والأساتذة وأصحاب المكتبات، عن أسباب انحسار

القراءة في الوسط التونسي إجمالا وعند الشباب على وجه  الخصوص، هي ظاهرة انكبت عليها دراسات كثيرة  محاولة تفسير العلل الكامنة وراء هذا السلوك الذي يهدّد البنية المعرفية للشعوب عموما إلى درجة أضحى معها مقياس المطالعة من أهمّ مقاييس التصنيف العالمي للأمم المتحضّرة وإلى درجة تجعل الكثير من المثقفين عندما يزورون دولا أروبية لا يستطيعون التشبّه بأبسط عامل ينتقل يوميا إلى عمله بوسائل النقل العمومية وقد ينسى علبة سجائره ولكنه لا يسهو أبدا عن كتابه، وقد تسهو طالبة عن حافظة نقودها ولكنها لا تسهو أبدا عن حمل آخر رواية لم تكمل قراءتها بعد. لم ألمح ولو مرّة واحدة مواطنا عربيا زائرا لفرنسا أو لألمانيا أو لسويسرا أو مقيما بها، أو طالبا حديث العهد بميترو باريس أو شابا من الجيل الثلث للهجرة منغمسا في قراءة كتاب بمحطة انتظار أو بمقعد ميترو، والأكيد أنك تتساءل وأنت تقرأ، مادمت ألاحظ القراء من غير القراء ومحطات المترو الباريسية لا تأخذ أكثر من ثلاث دقائق فالأكيد أنّي، كأي عربيّ مقيم أو زائر أو من جيل ثالث، كنت أصرف النّظر لملاحقة الراكبين عوض ملاحقة الحروف.

هل يمكن أن نجد تبريرا لهذا السلوك اليوم؟ هل الأمر مرتبط بالقدرة على توفير الكتاب في وقت لا يستطيع المواطن العربي توفير الرغيف؟ لكن ما القول ونحن بتونس فتحنا من سنوات مكتبات عمومية واجتهدنا المكتبات المتنقلة للأرياف ؟ هل أصبحت للقراءة مفاهيم غير التي كانت سابقا؟ هل يمكن أن نتصفح ما ينشر الأصدقاء على الفايسبوك لنطمئن أنّنا طالعنا اليوم؟

سعيد يقطين الباحث المغربي المتميّز أوجز ماكان من واقع ثقافي عام وما نعيش من تحول فقال “إن الجيل الذي ولد مع الاستقلال وجد نفسه يعايش طموحات جديدة للبناء والتقدم، فنهل من أحلام الحركة الوطنية، وحركات التحرر العربية والإفريقية وأمريكا الجنوبية. كما استفاد من الازدهار الثقافي الذي كانت مصر تحتل فيه مكانة هامة. فتشكلت ذاكرته المشتركة من المطالعة والسينما والأغنية. كانت «اقرأ» التي كنا نحفظ نصوصها، ومنها نتبادل الشتائم بتحويل بعضنا البعض إلى «سروال علي»، أو نعت إحداهن بأنها «سعاد في المكتبة». كما أن نصوص جبران والمنفلوطي والعقاد وسلامة موسى، ولقيطة وأرض النفاق، وذهب مع الريح والبؤساء كانت تشكل الخلفية المشتركة لقراءاتنا قبل الانتقال إلى كتب دار التقدم، والطليعة والفارابي، وكانت السلسلة اللبنانية «المناهل» تقدم منتخبات من الأدب العربي القديم، وسلسلة اقرأ المصرية، ثم كتابك، ومجلة العربي، الكتب التي نقبل على شرائها، أو الحصول عليها من مكتبة المدرسة. وفي مجال الأغنية كانت الميولات تتوزع بين فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب أو عبد الحليم حافظ، قبل ناس الغيوان والشيخ إمام ومارسيل خليفة، وكانت «الأزلية» (سيرة سيف بن ذي يزن الإذاعية) مسلسل الخيال المجنح الذي نطير فيه مع الجان، ونلاحق” سقرديس وسقرديون”.

هذا التوصيف لما كان  من مشاريع القراءة وما حفّ بالقراءة من إمكانات تهذيب للذوق العام في الفنون عامة من شعر وغناء وموسيقى وأفلام، وما كان إسهاما في الانفتاح على ثقافات الآخر بفضل مجهودات المترجمين العرب جعلت جيلا كاملا قادرا على صناعة الحدث الثقافي والفني: فأغنية أم كلثوم حدث قومي، وفيلم فريد الأطرش حدث قومي، وديوان نزار قباني حدث قومي، ورواية حنا مينه حدث قومي، ولوحة نجا المهداوي حدث قومي، كان جيلا قادرا على الصناعة الثقافية الفنية. ولست من القائلين بأن لا إمكان بعد جيل العمالقة، لكن لو عاش بيننا محفوظ اليوم والسياب وعبد الصبور وأم كلثوم ونجاة الصغيرة وحسيبة رشدي وغيرهم ، هل سيحقّقون ما حقّقوا من شهرة؟ لو عادت أم كلثوم للغناء بتونس هل سيبيع فلاح من تطاوين قطعة زيتون ليسافر ويحضر الحفل؟.

ما الذي حدث حتى أصبحنا اليوم ننتج جيلا بذاكرة ثقافية معطوبة مثقوبة لا مراجع لها سوى ماحصل من الضجيج الإعلامي المتأتي من القنوات الدينية ودعوات القتل من اسطوانات الشيخ كشك واستنفار أمني بالشارع لأن امرأة ترتدي فستانا على غير الشرع مرّت،؟ ما الذي حدث حتى ينظر إليك الطالب اليوم مستهزئا لأنك سألته عن محي الدين خريّف أو عن عليّ الدوعاجي أو عن الدقلة في عراجينها، ما الذي حدث للذاكرة الثقافية التونسية حتى تسمع ترصيفا لمفرداتٍ الخطأُ فيها أكثر من الصواب، ويتمايل صاحبها بشعريته الاستثنائية؟ ما حدث لهذه الذاكرة حتى يقدر مبتدئ وينشر ديوانا ويتعلل بخلخلة اللغة وحلحلة النحو والتجرؤ على الموروث وقتل الأب فينسف قواعد الإعراب جميعها باسم الثورة؟ ماذا سيبقى للأجيال القادمة؟ ما هي الأسماء التي سيذكرها التاريخ من فطاحل اليوم؟ كبف يمكن بناء أمة صلبة العود في غياب ذاكرة ثقافية متينة؟.

 

كنت كثيرا ما أتساءل، كما يتساءل الكثير من الأولياء والأساتذة وأصحاب المكتبات، عن أسباب انحسار القراءة في الوسط التونسي إجمالا وعند الشباب على وجه  الخصوص، هي ظاهرة انكبت عليها دراسات كثيرة  محاولة تفسير العلل الكامنة وراء هذا السلوك الذي يهدّد البنية المعرفية للشعوب عموما إلى درجة أضحى معها مقياس المطالعة من أهمّ مقاييس التصنيف العالمي للأمم المتحضّرة وإلى درجة تجعل الكثير من المثقفين عندما يزورون دولا أروبية لا يستطيعون التشبّه بأبسط عامل ينتقل يوميا إلى عمله بوسائل النقل العمومية وقد ينسى علبة سجائره ولكنه لا يسهو أبدا عن كتابه، وقد تسهو طالبة عن حافظة نقودها ولكنها لا تسهو أبدا عن…

عناصر المراجعه :

الرسومات
السرعة
التصميم

جيد

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتين !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*